ابن كثير

413

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن ميمون : سألت عبد اللّه بن عمرو عن المشعر الحرام ؟ فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة ، قال : أين السائل عن المشعر الحرام ؟ هذا المشعر الحرام ، وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، قال : قال ابن عمر : المشعر الحرام المزدلفة كلها . وقال هشيم ، عن حجاج ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه سئل عن قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ قال : فقال : هذا الجبل وما حوله . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن المغيرة ، عن إبراهيم ، قال : فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح ، فقال : على ما يزدحم هؤلاء ؟ ! كل هاهنا مشعر . وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا : هو ما بين الجبلين . وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أين المزدلفة ؟ قال : إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر ، قال : وليس مأزمان عرفة من المزدلفة ، ولكن مفاضاهما ، قال : فقف بينهما إن شئت ، قال : وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس . ( قلت ) والمشاعر هي المعالم الظاهرة ، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام ، لأنها داخل الحرم ، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به ، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس ؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم ؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا ، واللّه أعلم . وقال عبد اللّه بن المبارك ، عن سفيان الثوري ، عن زيد بن أسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « عرفة كلها موقف ، وارفعوا عن عرنة ، وجمع كلها موقف إلا محسرا » هذا حديث مرسل . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « كل عرفات موقف ، وارفعوا عن عرنة ، وكل مزدلفة موقف ، وارفعوا عن محسر ، وكل فجاج مكة منحر ، وكل أيام التشريق ذبح » وهذا أيضا منقطع ، فإن سليمان بن موسى هذا ، وهو الأشدق ، لم يدرك جبير بن مطعم ، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز ، عن سليمان ، فقال الوليد ، عن جبير بن مطعم عن أبيه ، وقال سويد عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكره ، واللّه أعلم . وقوله وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ تنبيه لهم على ما أنعم اللّه به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه من الهداية إبراهيم الخليل عليه السلام ، ولهذا قال وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ قيل : من قبل هذا الهدى وقبل القرآن وقبل الرسول ، والكل متقارب ومتلازم وصحيح .

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 4 ص 82 )